أبي بكر بن علي بن محمد ( ابن حجة الحموي )

470

قهوة الإنشاء

بسم اللّه الرحمن الرحيم يقبّل الأرض التي قامت حدود مكارمها ، وقطعت عنّا مكروه الفقر بمسنون عزائمها ، وينهى وصول السكين التي قطع المملوك بها أوصال الجفاء ، وأضافها إلى الأدوية فحصل بها البرء والشفاء ، وتاللّه ما غابت إلا وبلغت الأقلام من تعثيرها إلى الجفاء ، زرقاء وكم شاهدت البيض منها ألوان ، خرساء ومن العجب أنها لسان لكل عنوان « 1 » ، ما شاهدها موسى إلا سجد في محراب النصاب ، وذل بعد ما خضعت له الرؤوس والرقاب ، كم أيقظت طرف القلم بعد ما خطّ ، وعلى الحقيقة ما رئي مثلها قط . وكم وجد بها الصاحب في المضايق نفعا ، وحكم بحسن صحبتها قطعا ، ماضية العزم قاطعة ألسن فيها حدة الشباب من وجهين ، لأنها بالناب والنصاب معلمة من الطرفين . أنملة الصبح تقمعت بسواد الدجى ، فعوّذتها بالضحى والليل إذا سجى ، ولسان برق امتدّ في لهوات الليل ، فتنكرت أشعة الأنجم حتى ما عرف منها سهيل . هذا وتقطيعها موزون إذ لم تتجاوز في عروض ضربها الحدّ ، ومعلوم أن السيف والرمح لم يعرفا غير الجزر والمدّ : [ من الرجز ] من أجلنا تدخل في مضايق * ليس لسيف قطّ فيها مدخل وكلما تفعله توجزه * والرمح في تعقيده يطوّل إن هجعت بجفنها كانت أمضى من الطيف ، وكم لها من خاصة جازت بها الحد على السيف ، تنسي حلاوة العسّال فلا يظهر لطوله طائل ، وتغني عن آلة الحرب بإيقاع ضربها الداخل ، إن مرّت بشكلها المحلي تركت المعادن عاطلة ، ولم تسمع للحديد في هذه الواقعة مجادله ، شهد الرمح بعدالته أنها أقرب منه إلى الصواب ، وحكم بصحة ذلك من قبل أن يتكمل لها النصاب . ما طال في رأس القلم شعرة إلا سرّحتها بإحسان ، ولا طالعت كتابا إلا أزالت غلطه بالكشط من رأس اللسان . تعقد عليها الخناصر لأنها عدّة وعدّه ، وتاللّه ما وقعت في قبضة إلا أطالت لسانها وكلّمت بحدّه ، إن أدخلت إلى القراب كانت قد سبكت على الدخول ، أو أبرزت من غيمه كان على طلعتها الهلالية قبول ، تطرف بأشعتها الباهرة عين الشمس ، وبإقامتها الحد حافظت الأقلام على مواظبة الخمس ، وكم لها من عجائب تركت جدول السيف في بحر الغمد وهو غريق ، ولو سمع بها من قبل ضربه ما حمل

--> ( 1 ) عنوان : ها : عوان .